نصر حامد أبو زيد

202

الاتجاه العقلي في التفسير

( 2 ) ينتقل المعتزلة بعد تقرير وجهة نظرهم ، ودفع الاعتراضات على الآيات التي يعتبرونها محكمة تردّ إليها المتشابهات التي هي أدلة الخصوم ، ينتقلون بعد ذلك إلى أدلة الخصوم السمعية ، سواء من جهة الحديث النبوي الشريف أو القرآن الكريم فيستخدمون سلاح التأويل لتخلص لهم وجهة نظرهم في نفي مشابهة اللّه للبشر وتقرير أصل التوحيد تقريرا كاملا . وفيما يتصل بالأحاديث النبوية التي يوهم ظاهرها جواز رؤية الباري عز وجل ، لا يجد المعتزلة كبير عناء في ردها . والأساس الذي يستندون إليه في رد هذه الأحاديث أنها أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في أصول الدين وإن أخذ بها في فروعه . غير أنهم من جانب آخر قد يلجئون إلى تأويل ما ورد فيها تأويلا يتفق مع أصول مذهبهم . أو إلى معارضة هذه الأحاديث بأحاديث أخرى تتفق مع ما يذهبون إليه . ومعنى ذلك أن هناك ثلاث وسائل في مواجهة الحديث النبوي الذي يستند إليه الخصوم فيما يذهبون إليه من جواز الرؤية على اللّه . الوسيلة الأولى هي رفض هذه الأحاديث باعتبارها آحاد « ولا يجوز قبول ذلك فيما طريقه العلم ، لأن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط فيما يخبر به ، ويصح كونه كاذبا فيه ، ولا يجوز أن ندين ونقطع على الشيء من وجه يجوز الغلط فيه ، لأنا لا نأمن بالاقدام على اعتقاده من أن يكون جهلا ، ولا نأمن أن تكون أخبارنا كذبا . وإنما يعمل بأخبار الآحاد في فروع الدين ، وما يصح أن يتبع العمل فيه غالب الظن ، فأمّا ما عداه فإن قبوله فيه لا يصح ، ولذلك لا يرجع إليه في معرفة التوحيد والعدل وسائر أصول الدين ، وذلك يبطل تعلقهم بهذه الأخبار لو كانت صحيحة السند سليمة من الطعن في الرواة ، فكيف وقد طعن أهل العلم في رواتها ، وذكروا من حالهم ما يمنع من الرجوع إلى خبرهم » 203 . أمّا السلاح الثاني في مواجهة الخصوم حين يستشهدون بالأحاديث النبوية - وذلك بعد دفع هذه الأحاديث على اعتبار أنها أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في أصول العلم - فهو أن تعارض بأحاديث أخرى تؤكد وجهة النظر الاعتزالية في نفي الرؤية عن اللّه جل وعز « وهو ما روي عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد اللّه ، قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لن يرى اللّه أحد في الدنيا ولا في الآخرة » وما روي عن أبي ذر ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لرسول اللّه : « هل رأيت ربك ؟ قال : نور أنىّ أراه » يعني لا أراه ، كقوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ، وما روي عن الشعبي عن عبد اللّه بن الحرث ، عن كعب ، أنه كان يقول : إن اللّه